الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التهكّم بتأكيد الشيء بما يشبه ضده فإنّ الخبال في الحرب بعض من عدم الزيادة في قوة الجيش ، بل هو أشدّ عدما للزيادة ، ولكنّه ادّعي أنّه من نوع الزيادة في فوائد الحرب ، وأنّه يجب استثناؤه من ذلك النفي ، على طريقة التهكّم . والخبال : الفساد ، وتفكّك الشيء الملتحم الملتئم ، فأطلق هنا على اضطراب الجيش واختلال نظامه . وحقيقة لَأَوْضَعُوا أسرعوا سير الرّكاب . يقال : وضع البعير وضعا ، إذا أسرع ويقال : أوضعت بعيري ، أي سيّرته سيرا سريعا . وهذا الفعل مختصّ بسير الإبل فلذلك ينزّل فعل أوضع منزلة القاصر لأنّ مفعوله معلوم من مادّة فعله . وهو هنا تمثيل لحالة المنافقين حين يبذلون جهدهم لإيقاع التخاذل والخوف بين رجال الجيش ، وإلقاء الأخبار الكاذبة عن قوّة العدوّ ، بحال من يجهد بعيره بالسير لإبلاغ خبر مهمّ أو إيصال تجارة لسوق ، وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى : فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [ الإسراء : 5 ] وقوله : وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 62 ] . وأصله قولهم : يسعى لكذا ، إلّا أنّه لمّا شاع إطلاق السعي في الحرص على الشيء خفيت ملاحظة تمثيل الحالة عند إطلاقه لكثرة الاستعمال فلذلك اختير هنا ذكر الإيضاع لعزّة هذا المعنى ، ولما فيه من الصلاحية لتفكيك الهيئة بأن يشبه الفاتنون بالرّكب ، ووسائل الفتنة بالرواحل . وفي ذكر خِلالَكُمْ ما يصلح لتشبيه استقرائهم الجماعات والأفراد بتغلغل الرواحل في خلال الطرق والشعاب . والخلال : جمع خلل بالتحريك . وهو الفرجة بين شيئين واستعير هنا لمعنى بينكم تشبيها لجماعات الجيش بالأجزاء المتفرّقة . وكتب كلمة و لَأَوْضَعُوا في المصحف - بألف بعد همزة أوضعوا - التي في اللام ألف بحيث وقع بعد اللام ألفان فأشبهت اللام ألف لا النافية لفعل أوضعوا ولا ينطق بالألف الثانية في القراءة فلا يقع التباس في ألفاظ الآية . قال الزجاج : وإنّما وقعوا في ذلك لأنّ الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفا . وتبعه الزمخشري ، وقال ابن عطية : « يحتمل أن تمطل حركة اللام فتحدث ألف بين اللام والهمزة التي من أوضع ، وقيل : ذلك لخشونة هجاء الأوّلين » ، يعني لعدم تهذيب الرسم عند الأقدمين من العرب . قال الزمخشري : ومثل ذلك كتبوا لَأَذْبَحَنَّهُ في سورة النمل [ 21 ] قلت : وكتبوا لَأُعَذِّبَنَّهُ [ النمل : 21 ] بلام ألف لا غير وهي بلصق كلمة أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [ النمل : 21 ] ، ولا في نحو